الأحد، 10 نوفمبر 2019


























الثالث من تشرين الثاني، والقلم يتشبث بأناملي، مبعثرة هي أفكاري جامحة مشاعري للكتابة والورق الأبيض يتعطش شوقا لصرير هذا القلم المرتبك، ولكني لا استطيع ان أكتب وكأن شيئا يشدني، وضعت القلم في محاولة مني لتجميع افكاري واستعادة توازني، أخذت هاتفي المحمول بغية تصفح بعض المواقع ومن ثم دلفت إلى موقع "صحيفة الادب" أصابني الذهول مما رأيت إتسعت عيناي دهشة، ماهذا! لقد إحتُلت صحيفتنا إنها تغرق إنها تستغيث، هالني م رأيت من رسائل أوغاد يحاولون تدنيس شرف الصحيفة ويقذفون قادتها، تبا! 
أمسكت القلم بقوة وكلي حماس للدفاع عن تلك المملكة علّي استطيع ان اؤتيها جزء قليلا مما تستحق فجاءت حروفي مبعثرة قوية رادعة تجسد روعة تلك الصحيف المزهرة. 
... ما كنت يوما يا صحيفتنا وليدة يوم أو اثنين إنما الأعوام تشهد والتاريخ يحفظ لك الوفاء في الأذهان، ما كنت يوما صاغرة ما عهدناك ضعيفة حُجة أو برهان، ما سمعنا فيك قول إلا وكان لصاحبه إستبيان، كنت منارة عقل ألهمته سبل الكتابة والبيان، فيك قصة أو، قصيدة، أو مقال، فيك كتاب كأن حروفهم من وحي قلم الغر الميامين العظام، لك المجد مافتئتي تقدمي للأمم زخرا من عقول فذة تغدو بركبك للكمال.

السبت، 20 يوليو 2019



(رَجُلٌ مِنْ وَرَقٍ)
___________________________
★ لِلكاتِبة: أروى زين الدِّين.
★ نوع الرواية: روايَّة قصيرة.
★ منصة الرفع: مُدوِنة صَحِيفةُ الأدَبِ+قناة التيليجرام.
★ رقم الرواية المصحفة أدبيًّا: 1

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الأدب، وممنوحة بشرط ذكر المصدر©.
_________________________________________________________


الجزء1   تاريخ الرفع: 2019/7/20 فـ 
part1    

بعد منتصف الليل؛ تبدأ حياة أخرى وكأنها لاتمس الواقع بصلة، على أرصفة الطرقات يترنح البعض في طريقهم  إلى منازلهم بعد قضاء ساعات من السهر المتواصل في احدى الحانات وتجرع كاسآت النبيذ، والبعض مازالوا يتراقصون ويتمايلون على صخب موسيقى الروك في إحدى البارآت، وهناك من يتوسد فراش الموت ويمزقه الألم بكل وحشية وعنف، وهناك من هم في طريقهم إلى إحدى الفنادق ليكللوا حفل زفافهم، والبعض قد بدأوا يتقاسموا ما كسبوه خلال اليوم بعد عمل شاق، وكل يشغله شُغل شاغل..... هنا على تلك الأريكة ذات اللون  الأبيض والتي تتخللها بعض النقوش الصغيرة بلون سمآوي بديع،  وضعت بصالة تبدو دافئة المظهر  بجدرانها التي يمتزج فيها اللون الأزرق بلون رمادي يبعث البهجة، وتلك الصور القديمة التي وضعت على الحائط قبالة الباب، تبدو لك للوهلة الاولى كأنك تقيم بهذا المنزل منذ فترة طويلة،  في منتصف الصالة، قبالة المدفئة كان جاك يتمدد على هذه الأريكة وكان لهب النار يلمع ليعكس عينيه الرماديتين لتبدوان أكثر حدة وجاذبية، وعلى جبينه كانت تنسدل خُصلة سوداء ناعمة تكاد تحجب الرؤية عن إحدى عينيه، وكانت بشرته الحنطية اللون تشع تألقا في معطفه الأسود الذي يحتويه، كانتا عينا جاك تحدقان في ألسنة النار التي تتأجج إشتعالا، وعلى الطاولة الصغيرة أمامه بعضًا من أشرطة الكاسيت وفنجان من القهوة وضع للتو، وبعض قُصاصات ملونة من الورق، وعلى الأرض يستقر كتاب سقط سهوا، شاب يافع العمر في مطلع  عقده الثاني تبدو على ملامحه الجمود وعدم الإتزان ولكنه يبدو وسيما بعض الشئ، وجهه هادئ يعكس ملامحه الإيطالية،  يعيش في منزلٍ  يقع  في أحد احياء روما العتيقة بعيدًا عن والديه الذي كان يقيم معهما، ولكنهما كانا يتشاجران ويختلفان في الرأي في أحايانٍ كثيرة، مما دفع بجاك لأن يترك المنزل لوالده ويتخذ منزلا صغيرا بعيدا عنه، وحتى يستشعر رجولته ويتمتع بحريته بعيدا عن قيود والده وقوانينه التي تنافي شخصيته تماما،  يرن جرس الباب، ويقطع عليه شروده، فإذ به يقطب حاجبيه ويعتدل على الأريكة ليستوي جالسا  وقد أزاح الغطاء عن رجليه وأخد يفرك يديه ويمتعض فمه  الصغير في تذمر وكأنه رأى شيئا مقززًا، فقد اعتاد على حياة منتصف الليل وحده ولحظة الشرود التي تشاطره  ذكرياته وأحزانه وخيباته في الحياة، ويجد فيها دائما حلول لمشاكله. رن جرس الباب مجددا، نهض من على الاريكة واتجه صوب الباب، فإذ به يرى عجوزا قصير القامة ينزوي في معطف رمادي بالي بعض الشيء يعكس بدانته، وقبعة سوداء تخفي شعره المجعد، انخرطت على وجهه تجاعيد ترسم حجم المعاناة التي سرقت عمره.  تفضل - ماشأنك ؟… "يبدو أنك عامل البريد الجديد"؟ لم ينطق العجوز بكلمة واحدة، رفع احدى يديه الهزيلتين صوب جيبة معطفه وأخرج مظروف به علامة بريدية تدل على أنه من دولة عربية، لم يلحظ جاك ذلك، أخذ الظرف من يد العجوز وانحنى له وتوجه جاك للداخل وألقى بالمظروف على طاولة الطعام، وتوجه صوب الأريكة ، جلس ومسح بيديه على شعره، وأعاد ترتيب شعره المبعثر،  ظل جاك يحدق في النار لدقائق ولكن ثمة هناك شىء لفت انتباهه،  فأسرع نحو الطاولة لفتح الظرف وأخذ يتفقده ويقلبه بين يديه،  سحب جاك كرسي من تحت الطاولة وجلس بكل هدوء وهو يقطب حاجبيه دهشة وحيرة، وعندما فتحه،  بدأ يقرأ: "من والدك الذي لم ينساك يوما" نهض جاك من مكانه وكانت عيناه متسعتان وانفتح فمه دهشة، وأسرع نحو الباب وبدأ يبحث بعينيه عن ذاك العجوز في جميع الاتجاهات ولكن لا أثر له.

الجزء2      تاريخ الرفع: 2019/8/2 فـ
part2

عند النظرة الأولى، تموت العبارات ويتحدثُ الصمت في حضور الكلمات، ويبقى الكبرياءُ اسيرالتكوين في رحم الحب. 
دلف جاك إلى الداخل وترتسم على وجهه ملامح الخيبة فقد جفلت عيناه، وأسفرت عن ملامحه الحزينة، حيال ذلك الرجل الَّذي لم يدركه. جلس على طاولة الطعام وأخذ المظروف وأعاد قراءته مرتين وظلت تلك الجملة تتكرر على أُذنيه لبضعة ثوانٍ وهو يرنو ببصره تجاه الباب؛ عله يرجع مجددًا، ولكن شتان بيننا وبين أمانينا ونحن في أحوج لحظاتنا لها. أخذ المظروف وهو يضغط عليه بقوة بيده اليسرى، وتوجه نحو غرفته، الّتي كانت نوافذها تطّل على حديقة صغيرة ملحقة  بمنزله من الخلف،  في مزيج رائع من اللون الأزرق الباهت واللون الفضي وعلى نوافذها تنسدل ستائر مخملية اللون تتخللها بعض النقوش الفضية لتعكس ذوقه الرفيع الّذي يوحي لك بقلبه المرهف، ودقة اختياره، كما قالت له: ذلك إحدى صديقاته حين زارت منزله يوما،  جلس على حافة السرير الّذي يكسوه اللون الازرق وعلى يمينه يتكأ صندوق به عدة أدراج، سحب احدى أدراجه والقى بالمظروف داخله، وتمدد على السرير ونظر إلى الساعة على الحائط ليجدها الثانية بعد منتصف الليل أشاح بوجهه نحو النافذة حيث جهرهُ  ضوء القمر، أغمض عينيه لبرهةٍ، ولكنه سرعان ما اعتدل في جلسته وأخذ هاتفه؛ وبدأ يمرر يده حتى استقر على احد الأرقام، أعاد الاتصال عدة مرات ولكن دون إجابة، وفي المرة الثالثة أتاه صوت مُحشرج يطغى عليه أثر النوم، اجابه، "نعم"، باغته جاك بسؤاله؛ من أنت؟ إعتدل الرجل ليستوي جالسا على سريره وقد مسح وجهه النحيل بيديه، وأعاد النظر في هاتفه ليعرف من المتصل، عقد حاجبيه دهشة، إجابه، "جاك" ماذا هناك؟ .... "زياد" والد جاك سبعيني نحيل الجسد ذا إبتسامة ساحرة كانت تأسر قلوب الفتيات آنذاك، له حاجبين مقترنان قد بدا الشيب يسري فيهما،عيناه كبيرتان وله فم صغير، وأنف حاد،  قلت لك: من أنت؟ كرر جاك سؤاله مجددا، ... اوووو! جاك يبدو أنك لست بحالة جيدة اليوم، كف عن هذا واذهب للنوم، وكان قد أغلق الهاتف، وعاد إلى فراشه، تاركا جاك في حيرته يحمل استفهامات تكاد تفتكُ بعقله، وضع الوسادة على رأسه في محاولةٍ منه للنوم وطرد تلك الأفكار من رأسه. الثامنة صباحا، بتوقيت روما- إيطاليا، اخذ المنبه يرن معلنا بداية يوم جديد يحمل في طياته خبايا جديدة، بدأ يفتح عينيه بعيدا عن أشعة الشمس الّتي ارتسمت  على وجهه، نهض من فراشه، وأخذ يرتب نفسه تأهبا للخروج، فتوجه نحو المطبخ واعد كوباً من القهوة على عُجالة، ورجع الى غرفته،  لأخذ المظروف فوضعه في جيبة معطفه الرمادي ووضع قبعته وارتدى قفازاته، وخرج من منزله قاصدا مكتب البريد في المنطقة. وعندما توسط منتصف المسافة، وعند الجسر؛  راى حشوداً من الناس في محاولة منهم لإنقاذ احدهم، وسمع أحد الأشخاص يقول: انه قد مات، اقترب جاك من الحشد ليرى ذلك العجوز الّذي زاره صبيحة اليوم متمدد على الأرض وكان متجمدا من البرد، انعقد لسانه واتسعت عيناه وانفتح فمه دهشةً مما رآى وأخذ يقترب منه، وهو لا يكاد يصدق ما يرآه، إقترب منه أكثر حتى جثا على ركبتيه بجانبه واستقرت يده على وجهه وأخذ يتفحصه ويخاطبه قائلا: لم رحلت؟ أكان صعبًا عليك أن تخبرني الحقيقة اولاً، وصل فريق الإنقاذ  لأخذ الرجل إلى المشفى وتم انسحاب الجميع حين تم سؤالهم عمّن يقربه، عندها انبرى جاك من بينهم وقال: لقد زارني عند الواحدة صباح هذا اليوم، واعطاني مظروف بريدي، ولكنه لم يفصح لي عن هويته ومضى في شأنه، تم تدوين ما قاله جاك من قبل فريق الإنقاذ وُطلب منه المجيء معهم، لم يعترض جاك على ذلك، وعلى بعد عدة خطوات كانت تقف فتاة ترتدي فستان كرزي اللون ومعطف جلدي وقبعة سوداء اللون ينسدل شعرها من تحت القبعة، في لون أحمر قاتم، يعكس بشرتها الناصعة البياض لتبدو أكثر جمالًا، وجاذبية، تحمل حقيبة اُرجوانية اللون بها نقوش سوداء، وبعض الأوراق على يدها اليمنى، تنتعل حذاء جلدي، كانت تقف بعيدا عن الحشد تُنكس رأسها لاسفل، كان الدمع ينهمر من عيناها، وفجأة! ترفع رأسها؛ليصطدم بصرها بجاك الّذي رمقها بنظرة خاطفة لبضع ثواني وهو يهم بالصعود إلى السيارة، وبعد أن صعد إلى السيارة انفتح فمه وجحظت عيناه، وزفر بقوة، وانثنى راجعًا للخلف؛ جرَّاء ما رآى في الداخل.....

الجزء3    تاريخ الرفع: 2019/8/12 فـ
part3


بعض الصدمات قاسية للحد الّذي قد يفقدك المنطق، ويهزم كل معاني الشغف بداخلك، عندها ستتغير نظرتك، وتنسدل كل حبال لهفتك خيبة، وينتفض الألم من داخلك غصة بدمع أو صراخ!
ما أن هم جاك بالصعود علی السيارة، ليری والده، أجل والده! جالساً صوب النقالة الّتي وضع بها ذلك العجوز، وكان يبكي بصمت، ويمسح علی جبينه بكل عطف، ذهل جاك بعد أن رآی ذلك المشهد، قال بصوت خافض: والدّي! ماذا تفعل هنا؟ ... مسح زياد دمعه في حركة سريعة حتی لا يلمحه جاك، واستطرد قائلاً: ماذا تظنني أفعل! أقوم بعملي، أنسيت أنني ضمن فريق الإِنقاذ؟  أردف جاك، كلا، ولكن قل لي: من أين تعرف هذا العجوز؟ هيا جاك، اصعد ليس لدينا وقت. أحست الفتاة برجفة في قلبها،  مسحت دمعها وهي تتبع السيارة الّتي تحمل جاك ببصرها حتی إِختفت، عندها جلست علی الأرض لتجمع الأوراق الّتي سقطت منها سهواً، وهي في المكتبة شردت قليلاً لتستطرد ذاكرتها ذلك الشاب الّذي صادفها اليوم وتلك النظرة الحزينة الّتي تحمل كثيراً من الخيباتۃوالألم، نظرة توحي لك بالجمود وعدم الإِتزان ولكنها قوية، حادة بها من الحنان والغموض ما يكفي لتثير الإِعجاب والدهشة، إستفاقت من شرودها عند رنين هاتفها، لتجدها رفيقتها، جمعت أوراقها وذاك الكتاب الّذي إِستعارته من المكتبة، وخرجت.  جلس جاك علی كرسي قبالة المحقق وهو يسترسله في الأسئلة بخصوص ذاك العجوز، وفي أثناء حديث جاك كان زياد هادئا لم تظهر علی ملامحه أيّة علامات من الدهشة، وكان جاك يرمقه بين الفينة والأخرى، بعد أن خلص المحقق طلب من جاك أن يسلمه المظروف ولكنه تحجج بأنه في المنزل وسوف يرسله له فيما بعد، خرج جاك من مركز التحقيق وبصحبته زياد، لم يتكلم أيا منهما مع الآخر، حتى ضحك جاك بسخرية وهو يقول: أين والدي؟ ابتسم زياد وهو يقول: ينتظرك في مكتب البريد، رمقه جاك بنظرة إِستهزاء وهو يعرف أنه لن يخبره الحقيقة، عندها خاطبه وهو يبتعد منه، سنتواجه قريباً، هاتفه صديقه وهو على الطريق متوجها نحو مكتب البريد وفي حوزته المظروف "مرحبا علَّام أحتاجك الآن في مكتب البريد" وأغلق الخط، بالقرب من مكتب البريد نظر جاك إلى ساعته ليجدها الواحدة ظهرا، وتذكر أنه كان يجب أن يذهب إلى مقر الجريدة ليرفع مقاله الإسبوعي، ولكن كان يجب أن يبحث عن والده أولا. مقهى" لوباتو" بالقرب من مكتب البريد، دخل جاك، لتقع عيناه على تلك الفتاة ذاتها الّتي صادفها عند الصباح، تجلس مع رفيقتها على إحدى الطاولات، ظل جاك يحدق بها لدقائق وهو عند مدخل المقهى، دون أن تدرك هي، أعاد له إتصال رفيقه وعيه، فخرج للقاءِه في الخارج، "علَّام" شاب، ذا ملامح هادئة،  له عينان سوداويتان ناعستان، ولحية سوداء تعكس ملامحه العربية، حياه جاك وبينما هما يتجهان نحو المكتب، قص عليه جاك ما حدث، أسفر علام عن إبتسامة باهتة حِيال ما سمع من جاك، وقال له: أتصدق هذا الهراء يا جاك؟ توقف جاك ونظر إلى علَّام وقال له: عندما تصبح غريب في وطنك، وعندما تحرم من حقك في حنان والديك قسْراً،  وعندما تطأ أرض أحلامك وأنت لا تعرف تضاريسها، وعندما يفلت ذراعاك من تشبست به وأنت بصدد الذبول، وعندما يحول الحب قلبك لمقبرة؛ عندها ستكون لاشئ سوى رجل من ورق، رجل استباحته أقلام الصدمات والخيبات والمفاجأت، لتجعل منه لوحة من اللامبالاة تنساق نحو كل وميض باهت قد يكشف زيف الواقع الأليم . فكيف لا أصدق علَّام! عندها جرت دمعة ساخنة على خده مسحها بسرعة وقال: هيا علَّام، كان علَّام يقف مذهولا ترقرقت عيناه بالدموع من حديث صديقه الّذي تجرع من المآسي ما كان كفيلا بأن يرديه صريعا، في الداخل كان يجلس موظف على مقربة من الباب، شاب إِيطالي هادئ، استقبلهم بحفاوة، خاطبه جاك بالإِيطالية فأرشدهم إلى غرفة عند نهاية الصالة، تحرك جاك برفقة علَّام نحو الغرفة، كان يجلس موظف على طاولة مرتفعة، وضع جاك المظروف أمامه، وما أن رآى العلامة البريدية، تغيرت ملامح وجهه و أخذ يصرخ ويقول: لا يمكن، كيف ذلك؟


الجزء4    تاريخ الرفع: 2019/9/22 فـ
part4

بربّك ماذا فعلت بي! أنا واثقة أنها ليست نظرة عادية، إنها  تخترقني بكل العمق تهزُ كبريائي بكل وقاحة، تلك العينان، تستنزف كل مشاعري وأنا أسترق النظر إليك، توغل الخوف بقلبي من شئ باهت ينام بهما، أظن أنه الحب الّذي يفسد متعة الأشياء إرتبك جاك، وقال له: ما الأمر؟.... "قبل سنتان ُبعث لي ذات المظروف بذات العلامة البريدية، ولكن العم نجم رفض أن يبعث به للعنوان المرسل له، وقال: أنه سيوصله بنفسه لقرابته به" نظر كل من جاك وعلَّام للآخر في حركة سريعة، علَّام، هل العم نجم هو ذلك العجوز الّذي مات هذا الصباح؟ 
  أجاب الموظف، نعم هو ذاته، وضع جاك يديه على رأسه، ومن ثم مسح وجهه وأخذ يفك الوشاح عن عنقه وتنهد تنهيدة عميقة، علّه يستوعب ما سمعه. جاك إهدأ سنجد حلاً بالتأكيد وسنعرف الحقيقة، ومن ثم ربت على كتفه، قال علَّام: موجه حديثه للموظف، هل لك بأن تخبرنا عن العم نجم ؟ "يعمل معنا منذ سبع سنوات، كان يقيم بالمغرب، أخبرنا أنه جاء إلى روما حتى يكون قريباً من إبنه، وكان يعمل تاجر أقمشة و معاوناً بمكتب البريد هناك، كان مخلصاً يقوم بعمله بأكمل وجه، ولكن ذات يوم أتى رجل وأخذ يهدده وسط الجميع وهو يقول له: إبق بعيداً عنه يا نجم، وإلا سوف أقف لك بنفسي وذهب" قال جاك: هل لك أن تدلنا على منزله؟  حسناً، خرجا مسرعين و في الخارج قال جاك: سأذهب للجريدة، وسنلتقي مساءً، أضاف علَّام، حسنا أشعر بصداع طفيف بدأ يسري على رأسي سأذهب للبيت، وسأنتظرك هناك.        الثانية ظهراً، خرجت من المقهى ليقع بصرها على جاك، وهو يخاطب علَّام مودعا، أخذت نفساً عميقاً وإرتبك حديثها مع رفيقتها، وهي تضع يدها على قلبها علها تهدئ خفقانه، "جمانة" جمان كما يدعوها رفقائها" فتاة عشرينية لها وجه نحيل ووجنتان تزينان ثغرها الصغير، لها عينان رماديتان تعكس براءة ملامحها العربية، مصممة أزياء موهوبه كما يقال عنها. ماذا بك جمان؟ استفاقت على صوت رفيقتها لاشئ ليالي لاشئ هيأ بنا.  
وصل جاك مقر الجريدة وتوجه صوب رئيس التحرير ليقدم إعتذاره، بعدها دلف إلى مكتبه وأخذ يكتب..." رفات مشاعر... 
لو كان للمرء قلبان أو إثنين أو ثلاثة أو أكثر، ما أظنه يجابه جموح الحب، ما أظنه يتحمل وقع خيبات الحياة وإذلال القدر، ما أظنه يتحمل ويلات الدهر ويقسم الحزن بينهما، قال لي أحدهم يوما: لوكان الولاء يمنح لقلب، لمنحته للأم؛  قلباً  بألف قلب، تحمل عنان تسعة أشهر، وسنتان، وثلاثون ربيعا، وعمراً من اللامبالاة والغفلة البنوية، سخرتُ منه حينها لأني لن أمنح ولائي لقلباً مارأيت منه  رفات مشاعر قط. ......" أتم مقاله وسلمه للنشر، نظر لساعته ليجدها الرابعة عصرا، توجه نحو منزل علَّام ليجده نائما، أعد فنجانا من القهوة وجلس صوب النافذة، فإذا ببصره يقع على  مجلة كانت على الطاولة، أخذها وبدأ يقلب صفحاتها ولكنه توقف برهة، وضاقت عيناه بعد أن رآى.......


الجزء5    تاريخ الرفع: 2019/11/2 فـ
part5

جمان كانت صورتها تستحوذ المجلة وتطفئ كل الصور عداها، فالقلب لا يرى مع من يحب شيئا،  تنهد تنهيدة عميقة بعد أن رآها وأسند رأسه للخلف وأخذ قلبه يخفق بشدة وكأنه يقول: حين التقيتكُ في المرة الأولى تعمدتُ التجاهل؛ لأن  صوت الذكريات ما زال يلاحقني أحتاجُ منكِ فقط بعض الوقت حتى أتذكر صوت الحب وأُقبل عليك دون خوف، فقط بعض الوقت حتى أُرمم ندوب مازالت للآن تؤلمني وأدفن مقبرة لازالت كاشفة، وأنتزع بذورِ طالحات قد يفسدن غرسي، فقط أمهليني لأقدم لك عمري عمراً نقيا لا ُتشوبه الذكريات، نظر للمجلة مرة أخرى عن كثب ولازالت عيناه ضيقتان، فالصور فقط يستباحُ لنا أن نلتهم مانريد بأعيننا، وكانه يتوسل الأقدار قائلاً: أما كفاك مطاردتي أيتها الأقدار لازلت منطفأ بائسا منذ ذلك اليوم؛ لازلت أحصي ندوب الحزن في داخلي، سمع حفيف أقدام يقترب منه ألقى بالمجلة سريعا على الطاولة وإستطرد؛ علَّام  هيأ بنا ليس لدينا وقت، جاك! منذ متى وأنت هنا؟ حسنا سأبدل ملابسي على الفور. خرجا متوجهين صوب منزل العم نجم وفي الطريق كان جاك يحدق في الظلام وكأن تلك الأغنية نبشت بعضا مواقع الحنين داخله، إستفاق من غفلته بعد أن خطر على باله سؤال؛ علَّام  منذ متى وأنت مهتم بمجلات عروض الأزياء؟ أجاب علَّام عندما كنت احب لوسينا رمقه جاك بنظرة خاطفة ولم يتكلم، وصلا للمنزل كان في إحدى أزقة قرية سامبوكا بصقلية، منزل من الحجارة البرجوازية به طابق واحد وعلى نوافذه بعض المزهريات بها أزهار بهيجة، ويزين البورتريه جدرانه بجمال يوحي لك أنه منزل أثري، إنبرى جاك مندفعا وطرق الباب عدة مرات دون إستجابة، قال علَّام:  يبدو أنه يعيش وحيدا، قاطعه جاك ولكن يجب أن ندخل، هيا لنأتي لاحقا جاك، بينما يتناقشان في الخارج فتح باب البيت إستدارا في آن واحد وكانت الدهشة تعلو وجهيهما عندما لم يريا أحد تقدم جاك، بينما ظل علَّام واقفا يتلفت حوله، هيأ علَّام إلحق بي، خرج من وراء الباب كلبا لطيفا كبيرا يبدو أنه تمرس للإعتناء بالمنزل والزوار، زفر علَّام بقوة عندما شاهد الكلب وأخد يداعبه، كان المنزل واسعا من الداخل جدرانه مطلية باللون البني والأسود مما جعله يبدو كصالة عرض، كانت الإنارة فيه تقليدية؛ بحيث وضعت شموع عند كل زاوية من الصالة وصوب المدخنة تستقر كنبة مهترية تكاد تقع بجوارها طاولة وصندوق كبير، توجها مباشرة نحو الصندوق، فوجداَ بداخله الكثير من الكتب والروايات، ما أن رآها جاك إلا وانتفض من مكانه وأخذ يصرخ ويقول: إنها كتبي إنها لي علَّام، أنا من إشتريتها، ولكن لم أكن اجدها، ارتفعا حاجبي علَّام واتسعت عيناه وقال: ماذا! قد تكون مصادفة جاك دعنا نجلس، كلا؛ إنها هي ذاتها إنني أضعُ رقما تسلسليا لكل كتاب جديد أقتنيه، أنظر! بحق الرب ماذا تقول جاك، لقد أفزعتني، ولكن لماذا يأخذهم! وكيف وصلت له وأنت لم تره سوى مرةَ يتيمة؟ سقط كتاب من يد علَّام فالتقطه وسقطت منه صورة، إلتقط جاك الصورة سريعا وكاد يغشى عليه عندما رآها، جاك! أردف علَّام إنها صورتك ولكن! قال جاك بصوت محشرج: أشعر بأن روحي تنهار، ماذا يدفع الانسان مقابل أن يعيد توازن الروح؟ اهدأ جاك، تماسك، أشعر بك ولكن يجب أن نستمر، صعد علَّام الدرج نحو الطابق العلوي وأخد يصرخ ويقول جاك أنظر ماذا وجدت...


الجزء6    تاريخ الرفع: 2019/12/28 فـ
part6

شغفُ المجهول قد يكشف لك وميض بعض الحقائق لذلك كن مستعداً.... 

 أقبل جاك مسرعا يكاد أن ينزلق عن الدرج ولكنه توقف بعد أن رآى؛ كثير من الصور المعلقة على جدران الغرفة بالطابق العلوي، تمتم بصوت خافت؛ علًّام!- كانت صور العم نجم مع جاك في مراحل مختلفة من طفولة جاك، وكانت هناك صورة يتيمة لإمرأة عربية الملامح في عقدها الثالث، جثا جاك على ركبتيه عند مدخل الغرفة، بينما توجه علًّام للداخل متأملا لتلك الصور بتعجب، إلتفت نحو جاك وقال: خيل لي لبرهة أنه والدك، استطرد علًّام؛ وتلك المرأة العربية والدتي، ماذا تقول علًّام بحق. وقف جاك ومسح وجهه بيديه وتنهد تنهيدة عميقة، أيكون هناك أسوء من شبح المجهول.. توجه برفقة علًّام للاسفل وبحوزتهما كل الصور، والكتب التي كانت بالصندوق، وخرجا، قال علًّام: مداعبا الكلب في طريقهما سنعود لاحقا يا صديقي. 
 كانت مفاجأة جاك، أليس كذلك- إتسعت عينا جاك وعلًّام بعد أن إلتقيا بوالد جاك أمام البيت من الخارج، نظر كلا منها للاخر بحركة سريعة ولكن زياد إبتسم وقال لهما: نجم كان رفيقي منذ أعوام وما تحملانه أنا من أتيت به له، ولكن الصور، قاطعه جاك؛ كنت آتي بك كثيرا بعد وفاة والدتك لنقضي بعض الوقت مع نجم، وماذا عن تلك المرأة، اضاف علًّام؛ زوجة نجم. استطرد جاك؛ وأين هي الآن؟ قد تكون بالمغرب، لا أعلم تحديدا.إذا لما أخذت كتبي؟ أووه جاك، كفاك هراء إستعرتها منك وكنت سآتي إليك بها لاحقا ألا يحق لي! - ركب جاك وعلًّام السيارة وتركا زياد عند مدخل البيت ترتسم على وجهه إبتسامة باهتة مودعا إياهم.  
قل لي جاك؛ كيف عرف والدك أننا هناك! كان جاك ينظر من خلال النافذة، فقال: ربما هو بعض وميض الحقائق.. كم الساعة الآن؟ التاسعة والنصف،قال جاك: لقد كان وقتا يأكل من شغفنا.. ماذا بك جاك! هل أنت بخير؟ أسفرعن إبتسامة ساخرة، بخير، لم تقل لي: ماذا عن لوسينا؟ اشتقتها حقا؛ أتسخر مني جاك، كلا؛ أريد أن تعلم أني بخير حقا ليس إلا، والآن هل انت بخير؟ أوقف علًّام السيارة وقال: هيا جاك إنزل، إنفجر جاك ضاحكا حسنا سأنزل ولكن كن بخير وداعا. 
كان هنالك مقهى توجه جاك للداخل وطلب فنجانا من القهوة، أخرج هاتفه وأخذ يبحث في مواقع كثيرة متتبعا كل مجلات عروض الأزياء، قال في نفسه: ما هذا بحق جاك!... وكأنه كان يريد أن يستريح من وجع الحياة بالنظر إليها أو يلقي بذلك الثقل الذي يحمله على عاتق ذلك الوميض الذي يشع من عينيها، كان يريد أن يراها في صمت ليس أكثر. وجد على الطاولة كتابا يبدو أن شخصا ما قد نسيه، " بعض الحنين من عيناك" أخذ الكتاب وكان يقلب صفحاته حتى وجد" لم أشتهي الحب، ولم يكن لي المقدرة، ما كان يستوقفني جمال أحدهم أو يهز مشاعري، ما كنت أرى في شخصا شئ يشد انتباهي أو يجذبني، كان بي من المواجع والألم مايجعل قلبي عازفا عن الحب حتى الموت، كان مخزوني من الدمع كفيلا بأن يسد حاجتي لأعوام طوال، كان القدر يشد عليّ حبال الخيبات ويطفئ بريق الأمل عن ناظري، فجاءت عيناك وكأن شيئا لم يكن قبلها، كما الحسنات يذهبن السيئات، فاصبحت وليدة عهد فيه عيناك كل ما أملك" أخد هاتفه وإلتقط صورة لتلك السطور المحددة، ثم أخرج قلم وكتب أسفل الورقة" وعد على عاشق خانه الهوى لأجعل كل أعين الناظرين إليك عيناه" وضع الكتاب كما وجده. وإحتسى ما تبقى من قهوته وخرج. وصل للمنزل ليجدها الحادية عشر، تمدد على الأريكة وأخذ يحدق في ألسنة النار. فينسيا حيث يستقر سحر إيطاليا في منزل صغير مضاءُ بإضاءة خافته، على إحدى الغرف؛ رفعت جمان شعرها على شكل ذيل وأعدت فنجانا من القهوة وجلست على طاولتها الصغيرة تريد أن ترسم لتكمل ما تبقى من تصاميم لمجموعة الشتاء، وبعد أن فرغت كانت اللوحة عيناه،..أوو حقا إن الحب كالخمر يذهب العقل.. سرعان ما خبأتها بين أوراقها، وفجأة سمعت....


تُتْـبَــــــع…..